السيد كمال الحيدري
94
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
درسه الأصولى : « إنّ مسألة الجبر والاختيار تنحلّ إلى مسألتين : الأولى : المسألة الكلامية التي وقع فيها البحث بين المعتزلة القائلين بالتفويض وبين الأشاعرة القائلين بالجبر والشيعة القائلين بالأمر بين الأمرين » . ثمّ ينعطف الصدر لبيان جوهر البحث الكلامي ، فيضيف : « وروح البحث في هذه المسألة يرجع إلى النزاع في تشخيص فاعل الأفعال الصادرة من الإنسان ، فمذهب التفويض يقول بأنّ الفاعل محضاً هو الإنسان ، ومذهب الجبر يقول بأنّ الفاعل محضاً هو الله سبحانه وتعالى ، والشيعة يقولون بأنّ لكلّ منهما نصيباً في الفاعلية بالنحو المناسب له » « 1 » . لكن عندما ننتقل إلى مستوى التحليل الفلسفي نجد أنّه انطلق مع المسألة من بُعد آخر يختلف تمام الاختلاف عن النقطة التي انطلق منها البحث الكلامي . فالبحث الفلسفي لم يقف عند فاعل الفعل ، بل تخطّى ذلك لتحديد الموقف من قضية الاختيار . فسواءً أكان الفعل صادراً عن الله أو عن الإنسان أو عنهما معاً ، أتراه يصدر اختياراً أم بلا اختيار ؟ هذا البُعد يوضّحه السيّد الصدر بقوله : « المسألة الفلسفية : وروح البحث فيها يرجع إلى أنّ فاعل هذه الأفعال سواء فرضناه في المسألة الأولى ( الكلامية ) الإنسان أو الله أو هما معاً ، هل تصدر منه اختياراً أو بلا اختيار » « 2 » . فقد يكون مبدأ الفعل هو الإنسان ، لكن الفعل نفسه ليس فعلًا اختيارياً ، وإنّما هو يصدر على نحو الفواعل الطبيعيّة ، تماماً كالإحراق الذي يصدر عن النار ، بيدَ أنّه ليس فعلًا اختياريّاً للنار بل هو فعل طبيعي لا دور فيه للاختيار . في ضوء هذا التمييز يستنتج الصدر عدم كفاية البحث الكلامي وحده
--> ( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مباحث الدليل اللفظي ، تقريراً لأبحاث السيّد الصدر ، بقلم السيّد محمود الهاشمي ، ج 2 ، ص 28 27 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 28 .